سيد محمد طنطاوي
229
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم ، ومع ذلك أشركوا معه في العبادة غيره فقال : * ( نَحْنُ خَلَقْناهُمْ ، وشَدَدْنا أَسْرَهُمْ ، وإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا ) * . أي : نحن وحدنا الذين خلقناهم وأوجدناهم من العدم . ونحن وحدنا الذين * ( شَدَدْنا أَسْرَهُمْ ) * أي : قوينا وأحكمنا وأتقنا خلقهم ، بأن منحناهم السمع والأبصار والأفئدة والعقول . . وربطنا بين مفاصلهم وأجزاء أجسادهم ربطا عجيبا معجزا . يقال : أسر اللَّه - تعالى - فلانا ، أي : خلقه - وبابه ضرب - وفرس شديد الأسر ، أي : شديد الخلق ، والأسر : القوة ، مشتق من الإسار - بكسر الهمزة - وهو الحبل الذي تشد به الأحمال ، يقال : أسر فلان الحمل أسرا ، إذا أحكم ربطه ، ومنه الأسير لأنه يربط بالإسار ، أي : القيد . والمقصود بالأسر هنا : الإحكام والإتقان ، والامتنان عليهم بأن اللَّه - تعالى - خلقهم في أحسن وأتقن خلق . وقوله - سبحانه - * ( وإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا ) * تأكيد لشمول قدرته - تعالى - أي : ونحن وحدنا الذين خلقناهم ، ونحن وحدنا الذين ربطنا مفاصلهم وأعضاءهم ربطا متقنا بديعا . ومع ذلك ، فإننا إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم ، وجئنا بأمثالهم وأشباههم في شدة الخلق ، وبدلناهم تبديلا معجزا ، لا يقدر عليه أحد سوانا . وقوله : * ( تَبْدِيلًا ) * منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله وهو بدلناهم . ومن الآيات الشبيهة لهذه الآية في معناها قوله - تعالى - : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّه عَلى ذلِكَ قَدِيراً « 1 » . وقوله - سبحانه - : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وما ذلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ « 2 » . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحض على طاعته ، وبالتحذير من معصيته فقال : * ( إِنَّ هذِه تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّه سَبِيلًا ) * . أي : إن هذه الآيات التي أنزلناها عليك يا محمد - تذكرة وموعظة للناس ، فمن شاء
--> ( 1 ) سورة النساء الآية 133 . ( 2 ) سورة إبراهيم الآيتان 19 - 20 .